الأحد، 26 أغسطس، 2012

صباح بغداد


منظر جوي لمدينة بغداد

دقت ساعة الفجر في بغداد و صاحت الديكة في صوت تنافسي يبدو للوهلة الأولى سباقا الفائز صاحب الصوت الأعلى في إعلان عن بدء فجر يوم جديد لمدينة السلام .



صباح روتيني ككل صباح إلا إنه شعور مختلف ، فببعض التركيز ستحس بأن الحياة تدب فيك ، صوت العصافير والبلابل تملأ الاجواء كجوقة موسيقية هادئة تنافس أغاني فيروز بجمالها، و صوت أوراق الأشجار في مرور النسمات يحيي المارة ،و السماء ذات الرزقة الفاتحة كأمواج بحر شاطئية هادئة تتكسر فيها أشعة الشمس الرقيقة راسمة لوحة فنية أروع من الموناليزا .



صباح بغداد هو صباح النشاط ، حيث يصحى الجميع مبكرين فيه ، فالتيار الكهربائي الغائب ينسيك لذة النوم حتى الظهيرة ، أو تبكيرا لتقصير الوقت عبر طرق العاصمة المزدحمة المترامية الاطراف ذات ال1000 حاجز امني .



أصوات مميزة تصاحب الصباح و تنافس جوقة العصافير و البلابل و الديوك ، تكون عادة من صنع الإنسان ، فمنبه السايبا و صياح العسكري بمكبر الصوت من سيارته المصفحة لتحث الناس على التحرك و غيرها كثيرة ،لكن صوت مميز يصاحب الصباح ..صوت بائع إسطوانات الغاز ، تلك الموسيقى الصادرة عن دقات  المفك المتسارعة على الإسطوانات و المألوفة لدى السامعين من كبير وصغير والتي تعطي إعلاما بقدوم هذا الشخص المنادي بأعلى صوته (غاز غاز ..طن ططن طن طن طه "موسيقى مصاحبة" ) تجعل الناس تتهيأ للحصول على غاز الطبخ ، ولا ننسى المعاملة و التي تسمى ( مكاسر!) لتخفيض السعر.



و هناك غيره من البائعين الذين يألف سماع أصواتهم في صباح بغداد كمشتري الأغراض المستعملة و الذي ينادي بشكل مستمر و بكلمات تكون أقرب إلى الربط على السامع بقائمة ما يريد شرائه .


نظرة سريعة في صباح بغداد في شوارع بغداد تعطي فكرة سريعة عن وجهات الناس، فتميز طلاب المدارس من حقائبهم و مشيتهم القافزة نوعا ما ، و الطلبة الجامعين بقمصانهم  البيضاء بادين كسرب من النوارس تتجه لمياه بحيرة لامعة  لهم هيبتهم و جمالهم الخاص.


و قد تصادف أشخاصا مسرعين بملفات و أوراق كثيرة  مستعجلين و مقاربي الخطى ، ستفهم مباشرة بأنهم المراجعون لدوائر الدولة المستعجلون حتى كأنك تظن بأن بينهم وبين الموظفين أنفسهم " أولمبياد"  بالوصول المبكر  لإنهاء معاملاتهم .


من الأمور المتعود عليها في صباح بغداد الإزدحامات المرورية في مدينة شوارعها مليئة بالسيطرات ، حتى إنك تغير لقبها من مدينة ألف ليلة و ليلة إلى مدينة ألف سيطرة وسيطرة ! ، سيارات النقل الجماعي الكورية المنشأ و المعروفة بالكيا تسابق السيارات الصفراء التي ملأت شوارع بغداد حتى بدأت تشك بأن البلدية قد فرضت لونا موحدا لسيارات المدينة ، تنظر إلى حافلة النقل الجماعي فترى الجميع موظف و بائع و طالب و عامل تحت سقف واحد ، تحس بأنها برلمان شعب متنقل ، كل ينظر من النافذة القريبة عليه و كله أمل بالوصول مبكرا.


وللروائح نصيب في صباح بغداد ، فرائحة الشاي العراقي العراقي تعطر الأجواء منبهة بوجود كشك يبيع الشاي أو كما نسميه في العراق ( الجايجي )، كما إن رائحة الكاهي العراقي الساخن  والذي يؤكل في الصباح الباكر لها حصة الأسد في الروائح على صباح بغداد ، و ناخذ بالإعتبار وجود روائح عوادم السيارات ولكن عند البطون تسد الأنوف ،رئحة الكاهي بمثابة مغناطيس يجذب الجائعين لوجبة دسمة و زهيدة الثمن و جذابة المنظر بشكلها الذهبي و بخار سخونتها الدال على خروجها للتو من الفرن .


و ختاما قد لا يتفق البعض برؤية صباح بغداد و قد يرى البعض الأخر العكس تماما ، كل شيء موجود فالسعادة و الألم و الفرح و الحزن ، العبرة كيف ترى الأمور و من أي منظار ، كن متفائلا مهما كانت الظروف و بقليل من التركيز و الإيجابية سترى ما رأيته و قد ترى أكثر من ذلك ، فصباح بغداد صباح النشاط و لا مكان للكسل فيه .


تحياتي لكم 


( من الناحية الصحفية : الموضوع كتب بطريقة الريبورتاج ، الصورة من رويترز بتصرف )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق